كيف تحوّل هجوم على سفن في مضيق هرمز إلى نقطة انهيار لمسار التهدئة بين إيران والولايات المتحدة؟
كيف تحوّل هجوم على سفن في مضيق هرمز إلى نقطة انهيار لمسار التهدئة بين إيران والولايات المتحدة؟
وكالة إمتداد الإخبارية
كتابة/ محمد العبودي
لم يكن انهيار مسار التهدئة بين إيران والولايات المتحدة، وفق تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز، نتيجة قرار معلن اتخذته القيادة الإيرانية بصورة موحدة، بل جاء ـ بحسب مصادر إيرانية تحدثت للصحيفة ـ في سياق خلافات داخلية بين تيارات ترى في التفاوض وسيلة للخروج من الأزمة، وأخرى تدفع باتجاه استمرار المواجهة.
ويضع التحقيق هجوماً استهدف ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز خلال يوليو/تموز الماضي في قلب هذه الرواية، بعدما تحولت العملية البحرية إلى شرارة أعادت التصعيد بين طهران وواشنطن، في وقت كانت فيه جهود التفاوض تسعى إلى وقف الأعمال العدائية ومعالجة الضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران.
وتؤكد الصحيفة أن تحقيقها يستند إلى مقابلات مع ثمانية مسؤولين إيرانيين، وثلاثة أعضاء في الحرس الثوري، وأربعة مسؤولين سابقين، إلى جانب مراجعة عشرات التصريحات والخطب الصادرة عن مسؤولين وقادة عسكريين بين يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول. وقالت إن المصادر التي تحدثت عن قضايا الأمن القومي اشترطت عدم الكشف عن هوياتها.
شرارة في مضيق هرمز
بحسب الرواية التي أوردتها نيويورك تايمز، كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في العراق خلال مراسم مرتبطة بتشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، عندما تلقى نبأ إطلاق القوات الإيرانية النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز.
وتقول الصحيفة إن الهجوم أدى إلى اشتعال ناقلة غاز طبيعي مسال قطرية وإلحاق أضرار بسفن أخرى، الأمر الذي وضع القيادة الإيرانية أمام أزمة جديدة في وقت حساس سياسياً وعسكرياً.
ووفق خمسة مسؤولين إيرانيين وعضوين في الحرس الثوري نقلت عنهم الصحيفة، أجرى بزشكيان اتصالاً بقائد الحرس الثوري الجنرال أحمد وحيدي، مطالباً بتوضيحات بشأن العملية.
وتقول الرواية المنشورة إن وحيدي أبلغ الرئيس بأنه لم يصدر أمراً بالهجوم ولم يكن على علم مسبق به، كما لم يكن المجلس الأعلى للأمن القومي، بحسب المصادر نفسها، على علم بالعملية.
هذه التفاصيل، في المقابل، تستند إلى مصادر تحدثت للصحيفة دون الكشف عن هوياتها، ولم ترد في التحقيق بوصفها نتيجة قضائية أو إعلاناً رسمياً إيرانياً نهائياً بشأن الجهة التي أمرت بالهجوم.
من اتخذ القرار؟
الجزء الأكثر حساسية في التحقيق يتعلق بمحاولة تحديد الجهة التي تقف وراء قرار استهداف السفن.
وتنقل نيويورك تايمز عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين قولهم إن تحقيقات حكومية وأمنية داخل إيران ربطت القرار برجل الدين حسين طائب، الذي شغل سابقاً منصب رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري لأكثر من عقدين، قبل أن يعود لاحقاً إلى الواجهة السياسية والأمنية، ويتولى رئاسة قوات الباسيج.
لكن التحقيق لا يقدم وثيقة علنية أو قراراً رسمياً منشوراً يثبت مسؤولية طائب عن إصدار الأمر، وإنما ينقل هذه المعلومة عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة.
كما تنقل الصحيفة عن الخبير الإيراني والمسؤول السابق علي رضا نامور حقيقي قوله إن الهجوم نُظم بهدف إفشال مذكرة التفاهم مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإغلاق الطريق أمام أي مفاوضات مستقبلية.
وبذلك، فإن نسبة التخطيط إلى طائب تظل، وفق المادة المنشورة، ادعاءً مستنداً إلى مصادر مطلعة نقلت عنها الصحيفة، وليس حكماً قضائياً أو اعترافاً رسمياً منشوراً.
لماذا أثار الهجوم أزمة داخلية؟
تقول الصحيفة إن بزشكيان، بعد مطالبته بتحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، تلقى رواية تفيد بأن قادة ميدانيين تصرفوا بصورة مستقلة، استناداً إلى صلاحيات تسمح لهم بمهاجمة سفن يُعتقد أنها تنتهك السيطرة الإيرانية على المضيق من دون انتظار موافقة القيادة المركزية.
وتضيف أن مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري لم يصدر بياناً يتبنى هجوم السابع من يوليو/تموز، على خلاف ما وصفه التحقيق بأنه نمط متبع في عمليات أخرى.
وفي الساعات التي أعقبت الهجوم، تقول الصحيفة إن مسؤولين إيرانيين نقلوا الرواية نفسها إلى الولايات المتحدة وبعض حلفائها الإقليميين، فيما أُرسل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سلطنة عُمان، التي تؤدي دوراً في الوساطة، في محاولة لاحتواء التوتر.
وفي الداخل الإيراني، بحسب التحقيق، بدأ تيار متشدد بمهاجمة فريق التفاوض والاتفاق، في حين ظهرت تجمعات وهتافات تطالب باستئناف الحرب.
روايتان لانهيار الاتفاق
في مقابل الرواية التي تربط انهيار الاتفاق بالهجوم على السفن، عرضت الحكومة الإيرانية رواية مختلفة، حملت واشنطن مسؤولية انتهاك الاتفاق قبل انهياره.
وبحسب ما أوردته نيويورك تايمز، تضمنت هذه الرواية اتهامات لواشنطن بعدم وقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان، وعدم الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، إضافة إلى السماح لسفن بالمرور عبر جزء من مضيق هرمز لا تسيطر عليه إيران.
وفي المقابل، نقل التحقيق عن خمسة مسؤولين إيرانيين قولهم إن هذه الرواية لم تحظَ بقناعة واسعة داخل بعض الأوساط السياسية الإيرانية، بما في ذلك الرئيس بزشكيان.
كما نقل عن بزشكيان قوله علناً في أغسطس/آب إن الاتفاقات قد تتعرض للانتهاك، لكن معالجة الخلافات ينبغي أن تتم عبر الحوار وليس المواجهة.
القيادة الإيرانية أمام سؤال الغياب
لا يتوقف التحقيق عند حادثة السفن، بل يربطها أيضاً بظروف القيادة الإيرانية بعد تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى.
وتقول الصحيفة إن غياب خامنئي عن الظهور العلني وعدم سماع صوته منذ توليه المنصب في مارس/آذار أثارا تساؤلات داخل إيران حول مدى مشاركته المباشرة في إدارة شؤون الدولة.
كما يشير التحقيق إلى أن بعض البيانات والرسائل المنسوبة إليه أثارت نقاشاً داخل الدوائر السياسية، خصوصاً بعد صدور بيان بشأن اتفاق التهدئة قال، بحسب الصحيفة، إنه وافق عليه بسبب تأييد الرئيس وأغلبية أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، مع الإشارة إلى اختلافه معه «من حيث المبدأ».
وتقول الصحيفة إن هذه العبارة تحولت لاحقاً إلى نقطة يستند إليها معارضو الاتفاق في انتقاد مسار التفاوض.
خلافات حول طبيعة المرحلة المقبلة
وبحسب التحقيق، لم يكن الخلاف داخل القيادة الإيرانية محصوراً في قبول الاتفاق أو رفضه، بل امتد إلى السؤال الأكبر: هل يمكن إنهاء الأزمة عبر التفاوض، أم أن التصعيد العسكري هو الطريق إلى كسر الجمود؟
وتنقل الصحيفة عن مسؤولين إيرانيين أن دوائر سياسية وعسكرية ناقشت خيارين رئيسيين.
الأول العودة إلى المفاوضات سعياً إلى تخفيف المواجهة ورفع القيود التي أثرت في التجارة والاقتصاد الإيراني.
أما الثاني فيقوم على توسيع نطاق العمليات ضد أهداف أميركية، بهدف زيادة كلفة استمرار الحرب ودفع واشنطن إلى إعادة حساباتها.
وتقول المصادر التي استند إليها التحقيق إن الخيارين كانا مرتبطين بهدف أوسع يتمثل في محاولة إنهاء الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية الجنوبية، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة وتراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم والضغوط المالية على الحكومة.
تحذيرات من توسيع المواجهة
وبحسب التحقيق، دفع عدد من القادة العسكريين باتجاه خيار التصعيد، ومن بينهم العميد سيد مجيد موسوي، قائد القوة الجوية والفضائية للحرس الثوري.
وتقول الصحيفة إن خطة عُرضت على المجلس الأعلى للأمن القومي تضمنت توسيع نطاق المواجهة بمشاركة حلفاء إيران الإقليميين واستهداف منشآت نفطية في المنطقة، بهدف رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي المقابل، حذر بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من أن مثل هذه الاستراتيجية قد تؤدي إلى مزيد من الضربات الأميركية وتشديد الضغوط الاقتصادية على إيران.
وتشير نيويورك تايمز إلى أن كفة التيار الداعي إلى التصعيد أصبحت أقوى خلال سبتمبر/أيلول، مستندة في ذلك إلى تصريحات ومواقف لمسؤولين إيرانيين وإلى مصادر مطلعة على النقاشات داخل مؤسسات القرار.
من حادثة بحرية إلى صراع داخل مؤسسات القرار
تكشف الرواية التي قدمتها الصحيفة، إذا صحت تفاصيلها، عن أن الأزمة لم تكن مجرد خلاف بين طهران وواشنطن حول اتفاق سياسي، وإنما ارتبطت أيضاً بتباين داخل المؤسسات الإيرانية بشأن كيفية إدارة الحرب والتفاوض والاقتصاد.
فالهجوم على السفن ـ وفق التحقيق ـ جاء في لحظة كانت فيها قنوات التفاوض لا تزال مطروحة، وتحول إلى عامل ساهم في إعادة التصعيد، بينما كشفت تداعياته عن خلافات داخلية حول الجهة التي أمرت به وحدود صلاحيات القادة الميدانيين.
غير أن الصورة الكاملة تبقى مرتبطة بمعلومات مصدرها الأساسي مقابلات سرية مع مسؤولين ومطلعين، ولذلك لا يمكن التعامل مع جميع تفاصيلها باعتبارها حقائق مستقلة مثبتة ما لم تؤكدها مصادر رسمية أو أدلة قابلة للتحقق بصورة مستقلة.
وفي المحصلة، تقدم نيويورك تايمز رواية تقول إن الصراع داخل دوائر القرار الإيرانية كان أحد العوامل التي ساهمت في انهيار مسار التهدئة، بينما تواصل طهران وواشنطن تبادل الاتهامات بشأن مسؤولية التصعيد.
المصدر: صحيفة The New York Times، تحقيق للصحفية فرناز فصيحي، منشور في 13 سبتمبر/أيلول 2026.
إعداد: وكالة إمتداد الإخبارية
وكالة إمتداد الإخبارية
كتابة/ محمد العبودي
لم يكن انهيار مسار التهدئة بين إيران والولايات المتحدة، وفق تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز، نتيجة قرار معلن اتخذته القيادة الإيرانية بصورة موحدة، بل جاء ـ بحسب مصادر إيرانية تحدثت للصحيفة ـ في سياق خلافات داخلية بين تيارات ترى في التفاوض وسيلة للخروج من الأزمة، وأخرى تدفع باتجاه استمرار المواجهة.
ويضع التحقيق هجوماً استهدف ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز خلال يوليو/تموز الماضي في قلب هذه الرواية، بعدما تحولت العملية البحرية إلى شرارة أعادت التصعيد بين طهران وواشنطن، في وقت كانت فيه جهود التفاوض تسعى إلى وقف الأعمال العدائية ومعالجة الضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران.
وتؤكد الصحيفة أن تحقيقها يستند إلى مقابلات مع ثمانية مسؤولين إيرانيين، وثلاثة أعضاء في الحرس الثوري، وأربعة مسؤولين سابقين، إلى جانب مراجعة عشرات التصريحات والخطب الصادرة عن مسؤولين وقادة عسكريين بين يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول. وقالت إن المصادر التي تحدثت عن قضايا الأمن القومي اشترطت عدم الكشف عن هوياتها.
شرارة في مضيق هرمز
بحسب الرواية التي أوردتها نيويورك تايمز، كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في العراق خلال مراسم مرتبطة بتشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، عندما تلقى نبأ إطلاق القوات الإيرانية النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز.
وتقول الصحيفة إن الهجوم أدى إلى اشتعال ناقلة غاز طبيعي مسال قطرية وإلحاق أضرار بسفن أخرى، الأمر الذي وضع القيادة الإيرانية أمام أزمة جديدة في وقت حساس سياسياً وعسكرياً.
ووفق خمسة مسؤولين إيرانيين وعضوين في الحرس الثوري نقلت عنهم الصحيفة، أجرى بزشكيان اتصالاً بقائد الحرس الثوري الجنرال أحمد وحيدي، مطالباً بتوضيحات بشأن العملية.
وتقول الرواية المنشورة إن وحيدي أبلغ الرئيس بأنه لم يصدر أمراً بالهجوم ولم يكن على علم مسبق به، كما لم يكن المجلس الأعلى للأمن القومي، بحسب المصادر نفسها، على علم بالعملية.
هذه التفاصيل، في المقابل، تستند إلى مصادر تحدثت للصحيفة دون الكشف عن هوياتها، ولم ترد في التحقيق بوصفها نتيجة قضائية أو إعلاناً رسمياً إيرانياً نهائياً بشأن الجهة التي أمرت بالهجوم.
من اتخذ القرار؟
الجزء الأكثر حساسية في التحقيق يتعلق بمحاولة تحديد الجهة التي تقف وراء قرار استهداف السفن.
وتنقل نيويورك تايمز عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين قولهم إن تحقيقات حكومية وأمنية داخل إيران ربطت القرار برجل الدين حسين طائب، الذي شغل سابقاً منصب رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري لأكثر من عقدين، قبل أن يعود لاحقاً إلى الواجهة السياسية والأمنية، ويتولى رئاسة قوات الباسيج.
لكن التحقيق لا يقدم وثيقة علنية أو قراراً رسمياً منشوراً يثبت مسؤولية طائب عن إصدار الأمر، وإنما ينقل هذه المعلومة عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة.
كما تنقل الصحيفة عن الخبير الإيراني والمسؤول السابق علي رضا نامور حقيقي قوله إن الهجوم نُظم بهدف إفشال مذكرة التفاهم مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإغلاق الطريق أمام أي مفاوضات مستقبلية.
وبذلك، فإن نسبة التخطيط إلى طائب تظل، وفق المادة المنشورة، ادعاءً مستنداً إلى مصادر مطلعة نقلت عنها الصحيفة، وليس حكماً قضائياً أو اعترافاً رسمياً منشوراً.
لماذا أثار الهجوم أزمة داخلية؟
تقول الصحيفة إن بزشكيان، بعد مطالبته بتحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، تلقى رواية تفيد بأن قادة ميدانيين تصرفوا بصورة مستقلة، استناداً إلى صلاحيات تسمح لهم بمهاجمة سفن يُعتقد أنها تنتهك السيطرة الإيرانية على المضيق من دون انتظار موافقة القيادة المركزية.
وتضيف أن مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري لم يصدر بياناً يتبنى هجوم السابع من يوليو/تموز، على خلاف ما وصفه التحقيق بأنه نمط متبع في عمليات أخرى.
وفي الساعات التي أعقبت الهجوم، تقول الصحيفة إن مسؤولين إيرانيين نقلوا الرواية نفسها إلى الولايات المتحدة وبعض حلفائها الإقليميين، فيما أُرسل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سلطنة عُمان، التي تؤدي دوراً في الوساطة، في محاولة لاحتواء التوتر.
وفي الداخل الإيراني، بحسب التحقيق، بدأ تيار متشدد بمهاجمة فريق التفاوض والاتفاق، في حين ظهرت تجمعات وهتافات تطالب باستئناف الحرب.
روايتان لانهيار الاتفاق
في مقابل الرواية التي تربط انهيار الاتفاق بالهجوم على السفن، عرضت الحكومة الإيرانية رواية مختلفة، حملت واشنطن مسؤولية انتهاك الاتفاق قبل انهياره.
وبحسب ما أوردته نيويورك تايمز، تضمنت هذه الرواية اتهامات لواشنطن بعدم وقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان، وعدم الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، إضافة إلى السماح لسفن بالمرور عبر جزء من مضيق هرمز لا تسيطر عليه إيران.
وفي المقابل، نقل التحقيق عن خمسة مسؤولين إيرانيين قولهم إن هذه الرواية لم تحظَ بقناعة واسعة داخل بعض الأوساط السياسية الإيرانية، بما في ذلك الرئيس بزشكيان.
كما نقل عن بزشكيان قوله علناً في أغسطس/آب إن الاتفاقات قد تتعرض للانتهاك، لكن معالجة الخلافات ينبغي أن تتم عبر الحوار وليس المواجهة.
القيادة الإيرانية أمام سؤال الغياب
لا يتوقف التحقيق عند حادثة السفن، بل يربطها أيضاً بظروف القيادة الإيرانية بعد تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى.
وتقول الصحيفة إن غياب خامنئي عن الظهور العلني وعدم سماع صوته منذ توليه المنصب في مارس/آذار أثارا تساؤلات داخل إيران حول مدى مشاركته المباشرة في إدارة شؤون الدولة.
كما يشير التحقيق إلى أن بعض البيانات والرسائل المنسوبة إليه أثارت نقاشاً داخل الدوائر السياسية، خصوصاً بعد صدور بيان بشأن اتفاق التهدئة قال، بحسب الصحيفة، إنه وافق عليه بسبب تأييد الرئيس وأغلبية أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، مع الإشارة إلى اختلافه معه «من حيث المبدأ».
وتقول الصحيفة إن هذه العبارة تحولت لاحقاً إلى نقطة يستند إليها معارضو الاتفاق في انتقاد مسار التفاوض.
خلافات حول طبيعة المرحلة المقبلة
وبحسب التحقيق، لم يكن الخلاف داخل القيادة الإيرانية محصوراً في قبول الاتفاق أو رفضه، بل امتد إلى السؤال الأكبر: هل يمكن إنهاء الأزمة عبر التفاوض، أم أن التصعيد العسكري هو الطريق إلى كسر الجمود؟
وتنقل الصحيفة عن مسؤولين إيرانيين أن دوائر سياسية وعسكرية ناقشت خيارين رئيسيين.
الأول العودة إلى المفاوضات سعياً إلى تخفيف المواجهة ورفع القيود التي أثرت في التجارة والاقتصاد الإيراني.
أما الثاني فيقوم على توسيع نطاق العمليات ضد أهداف أميركية، بهدف زيادة كلفة استمرار الحرب ودفع واشنطن إلى إعادة حساباتها.
وتقول المصادر التي استند إليها التحقيق إن الخيارين كانا مرتبطين بهدف أوسع يتمثل في محاولة إنهاء الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية الجنوبية، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة وتراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم والضغوط المالية على الحكومة.
تحذيرات من توسيع المواجهة
وبحسب التحقيق، دفع عدد من القادة العسكريين باتجاه خيار التصعيد، ومن بينهم العميد سيد مجيد موسوي، قائد القوة الجوية والفضائية للحرس الثوري.
وتقول الصحيفة إن خطة عُرضت على المجلس الأعلى للأمن القومي تضمنت توسيع نطاق المواجهة بمشاركة حلفاء إيران الإقليميين واستهداف منشآت نفطية في المنطقة، بهدف رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي المقابل، حذر بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من أن مثل هذه الاستراتيجية قد تؤدي إلى مزيد من الضربات الأميركية وتشديد الضغوط الاقتصادية على إيران.
وتشير نيويورك تايمز إلى أن كفة التيار الداعي إلى التصعيد أصبحت أقوى خلال سبتمبر/أيلول، مستندة في ذلك إلى تصريحات ومواقف لمسؤولين إيرانيين وإلى مصادر مطلعة على النقاشات داخل مؤسسات القرار.
من حادثة بحرية إلى صراع داخل مؤسسات القرار
تكشف الرواية التي قدمتها الصحيفة، إذا صحت تفاصيلها، عن أن الأزمة لم تكن مجرد خلاف بين طهران وواشنطن حول اتفاق سياسي، وإنما ارتبطت أيضاً بتباين داخل المؤسسات الإيرانية بشأن كيفية إدارة الحرب والتفاوض والاقتصاد.
فالهجوم على السفن ـ وفق التحقيق ـ جاء في لحظة كانت فيها قنوات التفاوض لا تزال مطروحة، وتحول إلى عامل ساهم في إعادة التصعيد، بينما كشفت تداعياته عن خلافات داخلية حول الجهة التي أمرت به وحدود صلاحيات القادة الميدانيين.
غير أن الصورة الكاملة تبقى مرتبطة بمعلومات مصدرها الأساسي مقابلات سرية مع مسؤولين ومطلعين، ولذلك لا يمكن التعامل مع جميع تفاصيلها باعتبارها حقائق مستقلة مثبتة ما لم تؤكدها مصادر رسمية أو أدلة قابلة للتحقق بصورة مستقلة.
وفي المحصلة، تقدم نيويورك تايمز رواية تقول إن الصراع داخل دوائر القرار الإيرانية كان أحد العوامل التي ساهمت في انهيار مسار التهدئة، بينما تواصل طهران وواشنطن تبادل الاتهامات بشأن مسؤولية التصعيد.
المصدر: صحيفة The New York Times، تحقيق للصحفية فرناز فصيحي، منشور في 13 سبتمبر/أيلول 2026.
إعداد: وكالة إمتداد الإخبارية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!